قيد التردد

Blog Single

إن من أولى وأهم صفات القائد الفعّال مهارة صناعة القرار .. هذه من أبجديات الإدارة .. ومن أجلها ألفت الكتب وعقدت ورش العمل .. وصارت شعاراً لكل قائد .. ولكل مدير .. ولكل مستشار .. "صناعة القرار" .. لكن ماذا عن ما يأتي بعد صناعته ..!؟ ** يقول الله تعالى مخاطبا نبيه صلى الله عليه وسلم "وَشاوِرهُم فِي الأَمرِ فَإِذا عَزَمتَ فَتَوَكَّل عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَوَكِّلين" قيل في التفسير: "واطلب رأيهم فيما يحتاج إلى مشورة، فإذا عقدت عزمك على أمر بعد المشاورة فامض فيه، وتوكل على الله، إن الله يحب المتوكلين عليه فيوفقهم ويؤيدهم" لك أن تفكر ولك أن تقلب الأمور ولك أن تسأل .. ولك أن تبقى في مرحلة "الشورى" وعموم إجراءات صناعة القرار كما يروق لك .. لكن حين يتبين لك الصواب فقد انتهت مرحلة الشورى وصار لزاماً أن تمضي في قرارك .. انتهى دور السؤال وصار وقت التنفيذ .. لا مجال للتردد .. ولا مكان للضعف هنا.. امض وتوكل على الله.. فإن تبين صوابه استمر.. وإلا غير ما يلزم تغييره وأصلح ما يجب إصلاحه.. وتذكر أن من تحلى بهذه العزيمة يحبه الله كما نصت عليه الآية.. درس رباني عظيم يعلمه لنبيه صلى الله عليه وسلم ولأمته *** القائد يرتقي برأي سديد وبرؤية وببصيرة وبفكر وبطموح .. ثم ينحدر ويجر معه فريقه حين يفتقر إلى عزيمة تنقل النظرية إلى التجربة وتصيّر الرؤية واقعا.. التردد مفسدة .. لكل شيء .. إن كنت ذا رأي فكن ذا عزيمة *** فإن فساد الرأي أن تتردداً فلا يكفى أن يكون ذا رأي .. ولا تتقدم المنظمة بقياديّ يملك قراراً.. ثم يتوقف ... يعصر رأسه .. ويمتص أفكار من معه .. ويقرأ ويتأمل ويصرف جهدا ووقتا وموارد متعددة، ثم يضع قراراه في درج مظلم فلا يرى نوراً.. ولا يتغير شيء .. كيف لا يكون هذا السلوك عبثاً.. أو فساداً أو ضرباً من الجنون؟ *** ربما يظن المدير أن انتظاره سينتهي به إلى قرار لا تشوبه علامة تعجب .. ربما يأمل أن يكون مثالياً.. كاملاً.. وهذا أكبر "فخ" يقع فيه المدير الذي يرتقي سلم القيادة الفعالة .. فليس لزاماً أن يكون قرار المدير مثالياً. بل ليس لزاماً أن يكون صائباً في كل مرة ومن كل جانب .. حين ينتظر القائد أن يكون قراره مثالياً فإنه يضع نفسه في صندوق ضيق محكم يخنقه ويصيبه بالشلل .. كل ما عليه فعله هو استخدام موارده والاستثمار في تجاربه وأن يضع الثقة في فريقه ثم يصنع قراراً ثم لا يتردد.. حتماً سيكون هناك خطأ ولا شك أن هناك مجالا ومجالات للتحسين .. والأمثل أن يسير في طريقه ويصلح خطأه ويقوي صوابه .. تلك متعة رحلة التغيير والقيادة الفعالة .. أما التردد والانكماش في ركن الانتظار فهو انتحار إداري بطيء يهز المنظمة من جذورها .. كيف يكون إبحار سفينة لا يضع ربانها يديه على مقودها؟ وهذا لا يعني أن تكون عملية صناعة القرار عبثية أو أمر هزلي كأنها نزهة في حديقة، فالقائد يصرف جهدا ووقتا وتئن أركان عقله ومفاصله في ساعات يومه من أجل صناعة قراره.. لكنه تقلد كرسي القيادة لسبب .. فهو يتقدم حين يتراجع غيره ويصنع قراراً حين يجبن من سواه وهو يضع في حسبانه: ما أثر القرار؟ وما النقاط التي تدعمه وما النقاط التي تعارضه؟ كيف يخدم أهداف المنظمة؟ كيف ينمي فريقه ويدعمه؟ كيف يرتقي بأداء المنظمة ويوسع هامش ربحها؟ ويلغي اختيارات ضعيفة ويمزج أفكارا جيدة .. ثم يخرج بقرار .. وهنا يكمن الفارق .. هو – ببساطة – لا يتردد .. *** حجم القرار ونوعه وتوقيته أمور لا تؤثر في مبدأ العزيمة في تنفيذ القرار .. فمن حيث ضرورة المضي في طريق صناعة القرار ليس هناك قرار مهم يستحق الإنفاذ وقرار نصف مهم .. كل قرار مهم، وكل قرار يستحق أن ينزل إلى أرض الواقع .. وما أثبت فعاليته يبقى والآخر يتنحى بهدوء .. قد يكون القرار نتيجة عصف ذهني وربما نتاج تعاون مشترك أو وليد قناعة ذاتية دون اللجوء إلى شخص آخر .. يبقى المبدأ قائما .. لا تتردد! وليس القصد أن القيادة الفعالة تكون بالعجلة في القرار أو التهور في توليد القارات والتعاميم .. ذلك نمط إداري يبدأ بطيش وينتهي بانقلاب الفريق في إحدى منعطفات العمل الإداري .. القصد أن لا تنتهي الرحلة بصناعة القرار.. التردد داء .. والمدير الذي يتردد مريض .. ومناعته ضد عراكات الحياة ضعيفة .. وإن كان التهور مشكلة فالتردد مصيبة .. لأن التهور يسهل التعرف عليه ويمكن لكل أحد معالجته، لكن التردد أمر قد يخفى لكنه ينخر في أصل العمل الإداري ويسلب الفريق ثقته في من يمسك بزمام الأمر وتتهاوي بسببه كثيرا من مشروعات المنظمة تجده يفكر ويفكر ويتردد، فتذهب الفرص وتغادر الموارد، وحين يفكر في تنفيذ قراره – في حال أراد ذلك فعلا – يكون الوقت قد تأخر كثيرا كثيرا .. فشل كثير من المدراء ليس سببه خطأ في القرار .. بل غياب القرار أًصلاً وترى الجمهور يتفهم أن يغير القائد أسلوبه أو يتدارك قراره ما لكنه يتساءل في حيرة وغيظ حين يغيب القرار وتدور إبرة البوصلة بلا جهة تشير إليها! *** لماذا يتردد القائد؟ ربما السبب التفكير الذي يطول بلا سبب موضوعي أو اجتماعات عصف ذهني تستمر وتتكرر حتى تجف العقول وتتحول عملية تحليل الوضع الراهن إلى شلل رباعي .. وكلما اقترب وقت صناع القرار وتنفيذه .. مزيدا من التفكير يا جماعة! وربما الخوف من التغيير أوالخوف من المقاومة .. ويبقى الحال على ما هو عليه .. ويصبح القرار حلما .. هناك ببساطة مدير كسول أو مدير جبان .. وهناك مدير تائه لا يعرف أصلاً دوره في المنظمة فتكون عملية صناعة القرار معضلة وبالتالي تنفيذه أمر مستحيل .. التردد في القرار .. أسوأ كثيراَ من القرار الخاطئ . ونتائجه أعمق أثرا تبدأ بضياع الحقوق وتفويت الفرص وهدر الوقت والموارد ولا تنتهي .. ببساطة .. تعرف على المشكلة وضع كل نقاط القوة والضعف في ميزان موضوعي وحلل الاختيارات المتاحة ثم اتخذ قرار .. ونفذ .. الفريق ينظر إليك.. وينتظر منك أن تلهمه .. والتردد ينسف كل ذلك ... كلما صنعت قرارا وأتبعته بخطة عمل وتابعت إنفاذه تزايدت قوتك وارتفع رصيدك الإداري والمهني وشعرت بثقة في ذاتك أكثر وأكثر وستتعرف على أخطائك بشكل أسرع وستتعلم كيف تتكيف معها وكيف تعالجها .. ستكون مديراً أفضل .. وقائداً ملهما لكل من حولك .. اكسر قيد التردد .. وشمر عن ساعديك .. قد حان وقت أن تصنع شيئاً! ***

اكتب تعليق

لاضافة تعليقك .. يجب التسجيل او الدخول الي حسابك

0 تعليق

لا يوجد تعليقات