القراءة .. ليست موضة

Blog Single

مدخل: القراءة .. ليست "موضة" تظهر ثم تختفي .. ليست هواية يختارها بعض الناس وفق أمزجتهم.. ليست أمراً عارضاً يمر على الإنسان ثم يشفى منه .. القراءة .. نمط حياة .. وسمة لأشخاص اختاروا لأنفسهم مكاناً في عراكات الحياة .. بعيداً بعيداً عن هامشها . *** -1- إن من حقائق العقل البشري أن القراءة تبقي العقل نشيطاً، وتؤخر أعراض الشيخوخة وضعف الذاكرة ، وتزيد من معدلات الذكاء ومن فرص الإبداع والابتكار .. وكأن القراءة تمرين لـ "عضلات" المخ .. ربما يختار بعضهم أن يكون عقله مترهلاً ، لكن أيليق هذا بإنسان طموح يسمو بنفسه وبمن حوله؟ *** -2- القراءة المنهجية لها آثار متعددة .. على مستوى شخصي: يتمتع الإنسان بلياقة ذهنية ومرونة فكرية وبآفاق تتسع ولا تعرف حدوداً. ثقافات العالم تقف بين يديه تنتظر منه إذنا لتدخل عقله وتدخله عوالمها . ويرى الناس أثر قراءاته في كلماته وآرائه وقراراته ومشورته ونصحه، بل حتى في لحظات صمته. وعلى مستوى مهني: يكون الإنسان راقياً في فكره، وذا لياقة إدارية سببها سرعة تدفق المعلومات (يجب أن تكون المعلومات في عقله أولا) وتبدر منه قرارات ناضجة وموضوعية وأثر ذلك كله قفزات إدارية ومهنية ذات حجم كبير. *** -3- لن تجد قائداً ناجحاً في أي من مجالات الحياة يهجر الكتاب، بل بعضهم صار مكتبة تمشي على أقدامها، وبعضهم ارتقى فصار كاتباً. هجر الكتاب أمر غير مقبول في حياة الناجحين. فالتوقف عن القراءة ركود، والركود يتبعه كثير من الجمود والعفن. تلك حقيقة من حقائق الحياة التي لا تجامل أحداً ولا تستثني أحداً. وكما لا ينبغي أن تبدأ علاقة الإنسان بالكتاب في فصول المدرسة (هذا واجب الوالدين تجاه الأبناء) فيجب أن لا تنتهي يوم حفل تخرجه منها (هذا واجب الإنسان تجاه نفسه). بعضهم يشعرك أن لولا الدراسة المنهجية ما أمسك بكتاب! *** -4- إن كنت تطمح لارتقاء سلم الوظيفة وتسعى لقمم قيادية فعليك أن تدرك أمراً مهماً .. من يقرأ كثيراً .. لا يملك أن يخفي أثر ذلك عليه .. ومن يرى في القراءة ترفاً وشراء الكتاب أمراً ثانوياً .. أيضا لا يملك أن يخفي أثر ذلك عليه .. إن جلوسك لأي إنسان والاستماع له لمدة 10 دقائق تمنحك القدرة على الحكم على علاقته بالقراءة .. وصانع القرار حين يسمع لهذا وذاك .. أيهما سيختار ليكون ضمن فريقه؟ *** -5- تحضر ورشة عمل وتجد أن من بين الحضور من هو أكثر اطلاعا من المدرب في الموضوع الذي يتناوله .. والسبب أن المدرب اختار لنفسه أن يتوقف عن .. القراءة! والحال يتكرر في اجتماعات المجالس التنفيذية، والمحاضرات العلمية، وجلسات النقاش، إلخ. والسؤال الذي يملأ المكان .. ألا يكلف هذا الإنسان نفسه عناء قراءة مقالة واحدة في حياته؟ أو على الأقل بحثاً في محرك غوغل لا يكلفه إلا بضع نقرات على فأرته ودقائق معدودة بدلاً من أن يجتر كلاماً تراكم عليه غبار الزمان؟ حين أوكلت له مهمة ما، ربما لم يكن مطلعاً على تفاصيل علم ما بالقدر المطلوب .. لكن ما عذره أن يستمر الحال .. لأيام .. ولشهور .. ولسنوات .. أيعقل أن يتولى إنسان ما منصباً إدارياً (مثلاً) ويشرف على أداء فريق ويستمر في منصبه وهو لم يقرأ كتاباً في أبجديات الإدارة أو يحضر ورشة في أساسيات القيادة ومهارات الإشراف؟ تحاوره في موضوع ما متعلق بمهامه بشكل مباشر وكل ردوده وآرائه صدى لتجويف رأسه .. وتشعر بغيظ شديد وحيرة لا مبرر لها .. ما يمنعه من أن يقرأ .. ولو قليلاً!؟ *** -6- أحد القواسم المشتركة في المنظمات الناجحة فريق نشيط يتميز بلياقته الإدارية .. ولن تجد بينهم غالباً إلا قارئاً جيداً أو شغوف بالتعلم المستمر .. لذلك .. اجعل للقراءة حيزاً من يومك مع فريقك .. اقترح اسم كتاب أو اذكر اسم مرجع بنيت عليه قرارك .. أو اجعل هدية آخر العام كتباً أو خصص ركناً لمكتبة صغيرة .. إن آمنت بالفكرة، ستجد نافذة ينساب منها الفكر إلى أجواء المنظمة .. *** -7- أحد أهم الفوارق بين إنسان ناجح وآخر غير ناجح .. معدل عدد ساعات القراءة اليومية. كل إنسان عليه أن يقرأ، أما إن كان الإنسان ممن اختار لنفسه أن يكون ناجحاً وربما قائداً فالأمر أكثر إلزاماً. فكيف يمكن له أن يرتقي وأن يرتقي بغيره .. وهو في عزلة فكرية .. بقرار اتخذه بنفسه!؟ ولك أن تتأمل الفرق هنا .. القائد رقم 1 .. لا يقرأ شيئاً .. سوى الصحف المحلية وأخبار الفن ونتائج المباريات .. ومذكرات العمل وتوصيات الاجتماعات وتقارير الإدارات .. القائد رقم 2 .. يقرأ في التخصص وفي مجال العمل بشكل دوري وبمنهج منظم .. بالإضافة إلى ما يتطلبه العمل بشكل يومي .. القائد رقم 3 .. يقرأ في التخصص وفي مجال العمل .. ويقرأ في مجالات علم النفس وعلوم الاجتماع وفي مجالات الإدارة والقيادة بفروعها وله اهتمام بعلوم الأدب العربي وله اطلاع واسع في مجالات الفقه والتاريخ الإسلامي ويقرأ في تفسير القرآن وصحيح السنة، ومستمر في متابعة مخرجات جامعات هارفارد وأوكسفورد وكامبردج ومن فترة لأخرى يشاهد فلماً وثائقياً في علوم مختلفة من العلوم الحيوانية إلى التاريخ البشري اختر لنفسك قائداً منهم .. أو .. اختر لنفسك أن تكون واحدا منهم .. *** -8- القراءة تذكرك بالقدر الذي وصلت له، وبالقدر الذي تطمح إليه، وتمنحك منظاراً لمعرفة قدر الفرق بين هنا وهناك .. والقراءة تجعلك تتحدى نفسك وتطلب منك أن تقاوم ضعفك، والقراءة مفتاح لمعالجة كثير من مشكلاتك . والقراءة تأخذك في رحلة عبر الزمن فيحاورك حكماء الماضي من كل الفئات ، وتسافر بك عبر حدود البلدان فتجالس أهل الشرق والغرب .. حين تمسك كتاباً .. تجد نفسك في صالون اجتمع به الشافعي وابن خلدون وابن تيمية والرافعي والحسن بن الهيثم وفيكتور هوغو ونيوتن وصون تزو وكين بلينشارد ومالكولم غلادويل .. كيف بالله يختار إنسان أن يفوت اجتماعا مثل هذا!؟ *** -9- منهج القراءة يكون كالتالي: قراءة في التخصص .. وقراءة في مجال العمل .. وقراءة في موضوعات تروق لمزاجك .. وقراءة في مجالات لا تروق لمزاجك لكن تدرك أنها مهمة لبقاء عقلك نشطاً وفكرك أنيقا .. ولكل يوم نصيب من القراءة .. هو جزء من دستورك الشخصيّ، وشيء من حقك على نفسك .. لا مفاوضة هنا .. اقرأ .. كل يوم .. بلا استثناء .. اقرأ كتاباً .. مقالةً .. اقرأ شعراً .. نثراً .. في الدين والتاريخ والسياسة .. وفي علوم الاجتماع والسياسة والجغرافيا .. وفي ثقافات الشعوب وغرائب البلدان .. وفي الأدب الكلاسيكي والشعر الحديث .. اقرأ كتاباً عن مهارات القراءة .. وعن منهجية القراءة .. زر مكتبة .. مرة كل شهر .. واجعل قريبا منك كتاباً أو كتابين .. في مجالين مختلفين .. وتنقل بينهما .. اقتن متصفحاً إلكترونياً ليسهل عليك حمل شيئاً من مكتبتك معك .. أو استخدم هاتفك الذكي في أمر ذكيّ فعلا .. حفظ وقراءة كتاب مثلاً .. وإن كنت ممن يمارس عملا يختلف عن التخصص أو المؤهل العلمي فلا بأس .. كثير من الناس يتم ترشيحهم لمنصب ما لمهاراتهم الإدارية وتخصصهم في الأصل فنّي أو حرفيّ .. مثل مهندس ميكانيكي يرأس قطاع خدمة العملاء في شركة ما أو ممرض يقود إدارة للتدريب في مستشفى ما .. اجعل لنفسك برنامجا للاطلاع الدوري على تخصصك ولا تخسر رصيدك منه أبداً .. وألزم نفسك باطلاع دوري على مجال عملك .. لمزيد ارتقاء ومزيد تقدم .. *** -10- عليك بالقراءة .. وإعادة القراءة .. اسأل كل قارئ عاشق للكتب، وستجده يزور كثيراً مما قرأ .. مراراً .. لمزيد فهم .. أو لمزيد متعة .. أو لقراءة جديدة بفكر جديد من زوايا جديدة .. فالعلم يكون بالتعلّم .. والذاكرة تقوى بالتكرار .. والأفق يتسع كلما ملأته بعقول من تقرأ لهم .. *** -11- يزداد العجب حين يقول لك أحدهم: (لا أجد وقتاً )، وهو يمضي معظم وقته في متابعة قنوات وبرامج فنّية وترفيهية أو زيارات اجتماعية لا تتوقف أو .. لا شيء .. القراءة لا تمنع الإنسان من التوازن في تناول جوانب الحياة المتعددة بل القراءة تمنحه مزيد توازن وحكماً جيداً على ما ينبغي أن ينال نصيباً من وقته وجهده .. وعمره .. الوقت لن يأتيك يطرق بابك .. اصنع الوقت .. وابدأ رحلتك مع الكتاب . *** خاتمة: ببساطة .. القراءة ثم القراءة .. ثم مزيدا من القراءة .. وتذكر أن هجر الكتاب .. انتحارٌ للعقل .. وتذكر أن أول كلمة انتفض بها فؤاد نبينا صلى الله عليه وسلم كانت .. اقرأ ،،

اكتب تعليق

لاضافة تعليقك .. يجب التسجيل او الدخول الي حسابك

0 تعليق

لا يوجد تعليقات