شغفُ العمل

Blog Single

في مقالةٍ سابقة تطرقتُ إلى أهمية استخدام منهجية توظيف مقننة للاختيار والمفاضلة بين المتقدمين ذوي المؤهلات والمهارات المناسبة للوظيفة. لكن ماذا عن الموظفين الموجودين بالمنظمة ممن يمتلك المؤهل والمهارة لكنهم مفتقرون للحماس وقد ورثتهم دون أي قرار لك في قبول أو رفض عملهم معك ضمن فريقك؟ تلك هي المشكلة! يأتيك الموظف بداية اليوم بالكاد يجر حذاءه على سطح البسيطة لدرجة أنك تميز وصوله من الصوت الذي يصدره.. ثم يقوم بمايقوم به يومياً من روتين، وطبعا هذا الروتين يشمل مرات تسكعه بين الأروقة ونفثه لدخان سيجارته خارج المبنى وصوته المجلجل خلال مكالماته مع أحدهم بالجوال. وفي آخر الدوام .. يبتسم وهو مسرعاً في مغادرة مقر العمل.. وكله رضا بما قام به! أما أنت .. فتنظر إليه شزراً .. ولسان حالك يتمتم " كيف الخلاص منه!" وأخرى تأتيك باكراً تفتح جهاز الحاسوب ، تلقي نظرة على بريدها ومهامها الروتينية.. ثم ماتلبث أن تكتشف أن لا ضغط عمل اليوم.. فتسارع في إغلاقه ثم مهاتفة زميلتها لتُبشرها قائلة "الحمدلله لايوجد عمل كثير اليوم!" وينتهي بها المطاف لقضاء دوامها مع زميلتها في مكتب إحداهما! وأنت بطبيعة الحال تبتسم بمرارة .. وتتمنى لها أمنية بريئة " في أن تمضي بقية حياتها المهنية مع زميلتها تلك بعيداً عن فريقك!" هؤلاء الموظفون الذين يفتقرون إلى الحماس في العمل .. هم عبء على كاهلك وعلى كاهل المنظمة. بالرغم من وضوح الرؤية، الأهداف، السياسات والإجراءات، الأدوار والتبعيات، النتائج المتوقعة، التناغم والألفة بين الموظفين .. مازالوا - إن صح التعبير - في حال من الاحتضار المهني. كيف تعيد لقلوبهم النبض والحماس من جديد؟ كيف تجعلهم شغوفين بما يعملون؟ يُقال .. أن صغار السن وحديثي التعيين .. هم الأكثر حماساً وشغفاً بالعمل. ربماً ذلك أمر صحيح، لكن ... تذكر أنه شغف البدايات.. مايلبث أن يضمحل، فغالباً مايكون نتاج الحاجة الملحة للحصول على الوظيفة والتمسك بها خلال الفترة التجريبية. يُقال .. أن الموظفين ذوي المؤهلات التعليمية العالية .. لديهم نزعة عاطفية وحب للعمل أكثر من غيرهم. ربما ذلك أيضاً أمر صحيح، لكن... أكاد أجزم لك أن الحصول على شهادة جامعية لا علاقة له بقناعات الناس ودوافعهم المحركة لهم تجاه العمل. يُقال .. أن مشاركة الأفراد في وضع الأهداف والقرارات بالضرورة سيجعل منهم شغوفين بالعمل. ربما أتفق مع هذا التوجه، لكن ... إن راقبتهم ستلاحظ أن مستوى التزامهم لتقديم مستويات عالية من الأداء ينتهي بانتهاء المشاركة وتنفيذ المبادرة أو نيل المكافأة المستحقة. بينما الموظف الشغوف يقدم مستويات عالية من الأداء بشكل كبير وتحسن مطرد ومستديم. أن تكون شغوفاً بالعمل .. يعني أنك تستمتع بماتعمل. يعني أن تبقى منهمكاً بأشغالك لساعات طوال دون أن تشعر بمرور الوقت. يعني أن يكون يومك صاخباً بالمهام .. لكنه يوافق تماماً ايقاع نبضك وهوى عقلك. أن تكون شغوفاً بالعمل .. يعني ببساطة .. أن تقع في حب وظيفتك وترتبط بها ارتباطاً عميقاً. حتى تغدو هذه العاطفة سمة ظاهرة في عباراتك التي تتفوه بها وأفعالك التي اعتدت عليها. مالسبيل إلى إنعاش القلوب المحتضرة؟ ركز على التالي: (بيئة العمل ثم بيئة العمل ثم بيئة العمل) نعم عليك بخلق بيئة عمل تستحث هذه العاطفة وتولد شغفاً بالعمل يُخرج أفضل مافي الموظفين من قدرات وعطاء وإبداع. وإليك بعض الطرق التي تساعد على خلق هذه البيئة: - بعض اللوائح والسياسات والإجراءات المطولة تخنق الموظفين وتقص أجنحة الإبداع لديهم ، تخلص منها فوراً واستبدلها بأخرى عملية وأكثر مرونة. - المبالغة في حماية الموظف والتدخل في تفاصيل عمله تحرمه فرص المجازفة والتعلم من أخطائه، ابتعد قليلاً ثم أكثر قليلاً ، وامنحه الاستقلالية اللازمة لنموه ونضجه المهني. - الريبة في توسع نطاق شبكة تواصل الموظف، والخوف استباقاً من تجاوزه الهيكلة الإدارية وحدود اللباقة الاجتماعية، كل ذلك يقلل من فرص تفاعله البناءة مع محيطه. تراجع قليلاً لينشيء شبكة علاقات بناءة يستثمرها على الصعيد الشخصي والمهني. - إياك وتقديم كل الحلول والمعلومات، امنح الموظف فرصة البحث والاستكشاف والتجريب، فمتعة الوصول للحلول والنتائج بمجهود شخصي تزيد من ثقة الموظف بنفسه وشعوره بقيمته العالية بين الآخرين. - استخدام طريقة وأسلوب موحد في العمل يتعارض مع الطبيعية البشرية في حب التنوع والبعد عن الروتين الممل، شجع الموظفين على تعلم طرق مختلفة لانجاز الأعمال وحفز فيهم الرغبة المستمرة في التعلم. إن خلق بيئة عمل تأجج الحماس لدى الموظفين قطعاً ستدفعهم والمنظمة للتحسن والتقدم بثبات في ظل المتغيرات السريعة والمنافسة المحتدمة في سوق العمل.. تذكر .. أن كل شخص بداخله القدرة على النمو والتطوير والعطاء .. فقط عليك شحذ الرغبة لديه لحب مايعمل، أو أن تأخذ بيده ليعمل مايحب.. المهم أن تبقيه على قيد الشغف!

اكتب تعليق

لاضافة تعليقك .. يجب التسجيل او الدخول الي حسابك

1 تعليق

  1. د. هيثم طيب 04-01-2019 @ 09:02 AM

    "يعني أن يكون يومك صاخباً بالمهام .. لكنه يوافق تماماً ايقاع نبضك وهوى عقلك" توصيف أنيق جداً 👍