فُقد سهواً

Blog Single

تكثر الدورات التدريبية التي تتحدث عن الاتصال الفعال وأهميته في الحياة الشخصية والمهنية، وتعددت مسمياتها ومستوياتها والفئة المستهدفة لحضورها. وصار كل مركز تدريبي لاتخلو خطته التدريبية السنوية من نشاطين على الأقل في مجال الاتصال. يطرحها لشريحة واسعة من المجتمع تشمل: الطلبة، حديثي التخرج والموظفين والمشرفين في شتى المجالات وفي جميع المستويات بالهرم التنظيمي. حتى اكتظت ملفات الطلبة والمتقدمين على الوظائف وملفات الموظفين بالكثير من الشهادات التي لابد وتحمل في عنوانها شيء له علاقة بكلمة (اتصال)! لكن.. مازال ذاك القيادي يرده البريد الإلكتروني تلو الآخر من كل صوب وحدب .. بدون أي رد فعل منه على أحدهم. ومازالت منسقة الحجوزات تعطي وعوداً بمعاودة الاتصال على العميل لتأكيد الحجز .. ويمضي الوقت المتوقع للموعد، وليس لصوتها صدى أو أثر. ومازال الابن يردد كلمة "حاضر" لأمه في رسالة واتس أب يؤكد لها بأنه سييطمئنها بمجرد وصوله للجامعة .. ثم تنقضي المحاضرة الأولى وربما الأخيرة لذلك اليوم، وتلك الأم بجانب الهاتف المحمول تنتظر. باختلاف تلك المواقف حجما و وزناً واختلاف أبطالها بأعمارهم وخلفياتهم الثقافية.. تبقى جميعها متشابهة في افتقارها لخطوة مهمة في دورة الاتصال والتي لاتكتمل الدورة بدونها وهي (التغذية المرتدة). لسبب ما تلك القطعة من دورة الاتصال - إن صح التعبير- فُقدت سهواً! وإن سألت أحد (هؤلاء الأبطال) عن أركان الاتصال الفعال الأربعة (المرسل- الرسالة- المستقبل- التغذية المرتدة) لوجدته يحفظها عن ظهر قلب.. لكنه لسبب ما سهيَ عن آخرها، فهو لايهتم بإعطاء أي رد فعل ملفوظ أو غير ملفوظ، ولايدرك التبعات التي تترتب على اغفاله له. وربما لايكترث لأثر فقدان قطعة الـ "بزل" تلك من كامل الصورة. ويبقى المرسل في ترقب مطرد (للرد) يصاحبه حالة من الحيرة والقلق .. وفي حقيقة الأمر للا سبب. الأمر ببساطة وكأنك في اتصال هاتفي مع أحدهم.. وفجأة بعد كل الحديث الذي تحدثته .. كل ماتسمعه على الطرف الآخر (تووووووووت).. و تكتشف حينها أنك فقدت الاتصال معه ليس إلّا! . هل وصلت المعلومات التي قلت؟! ربما! هل وصلت المشاعر التي وصفت؟! من الممكن! لكن ليس لديك يقين بالإجابة، فكل ذلك أصبح بالنسبة لك في علم المجهول! الحفاظ على هذه القطعة المفقودة والتشجيع عليها لن يكون بكبسة زر، ولا بكبسولة تدريب! ربما يحتاج الأمر لإنشاء بيئة يسودها ثقافة تعزز ردود الأفعال سواء كانت مكتوبة أو ملفوظة أو سلوكية. أذكر لك هنا بعض العناصر التي قد تساعد على تعزيز ثقافة (التغذية الراجعة): - التدريب تحديدا على كيفية إعطاء واستقبال التغذية المرتدة، من خلال ورش عمل مكثفة ومستمرة تركز على أهمية الوعي بالذات وتشجع على مهارة التعبير المنطوق والسلوكي. - اختيار وصياغة الرسالة بطريقة جيدة، فكلما كانت الرسالة واضحة وغير معقدة من المرسل سهل على المستقبل فهمها وبالتالي الرد عليها. - ضرورة الفصل والتفريق بين الرسالة (كمعلومة) والمرسل (كشخص) عند التلقي من المستقبل، فذلك أدعى لعدم تأثرها بأي انطباع أو خلاف شخصي بين المرسل والمستقبل. وبالتالي يسهل إعطاء التغذية المرتدة من المستقبل ويكون لها تأثير حقيقي. - الحرص على بناء الثقة مع الآخرين فهي اللبنة الأساسية للعلاقات الايجابية وأهم عنصر في نجاح ثقافة ردود الفعل، فكلما كانت الثقة عالية بين الطرفين اختفى عامل الخوف وزادت مرونة التعبير بالسلوكيات والمبادرة في إعطاء المعلومات . تطبيق دورة الإتصال كاملة بفعالية لايتطلب الجهد الكثير، ربما يتطلب رسالة واضحة ومجموعة سلوكيات من مرسل موضوعي ومستقبل مبادر في رد الفعل، من خلال بيئة محفزة للتغذية الراجعة. وتذكر .. لتحافظ على تلك القطعة المفقودة.. اعمل على تحسين البيئة وليس الأفراد.

اكتب تعليق

لاضافة تعليقك .. يجب التسجيل او الدخول الي حسابك

1 تعليق

  1. د. هيثم طيب 30-05-2019 @ 04:30 PM

    مقالة جمعت حسن طرح الفكرة وأناقة الفكر 👍