السعادة المؤسسية

Blog Single

تأتي سعادة المواطنين والمقيمين على رأس أولويات المملكة، وسعادتهم لا تتم دون اكتمال صحتهم البدنية والنفسية والاجتماعية. سوف يتمتع المجتمع بنوعية حياة جيدة ونمط حياة صحي ومحيط يتيح العيش في بيئة إيجابية. ونركز في مقالنا هذا على السعادة المؤسسية التي أصبحت أحد عناصر استراتيجيات المنظمات في القطاع العام والخاص. يعرف مفهوم السعادة “Happiness” وما الذي ينطوي عليه حسب ما ذكره العديد من الباحثون أن السعادة كلمة ذات شقّين؛ الشق الأول هو التجريبي ويشير إلى الحالة النفسية في اللحظة الراهنة والشعور بمشاعر إيجابية مثل البهجة والحماس والحب والأمل. وفي هذا السياق، تكمن السعادة في تغليب تلك المشاعر الإيجابية على المشاعر السلبية. أمّا الشقّ الثاني فهو تقييمي، وفيه يفكّر الأفراد في لحظات السعادة التي عاشوها من قبل وكيف يمكن أن يساهم ذلك في بث رضاهم العام. يمثّل الأفراد أحد الأصول القيّمة لدى المؤسسات التي يعملون بها نظراً لما يتمتعون به من إمكانات تساعدهم في تحقيق إنجازات كبرى إذا ما توفّرت لهم السبل والظروف الداعمة لذلك. فكل فرد في بيئة العمل يقدّم منظوراً مختلفاً بناءً على تجربته وخبراته في الحياة، كما أنهم يمتلكون القدرة على إحداث أثر إيجابي من خلال العمل الذي يقومون به. ومن خلال تهيئة الظروف الملائمة للموظفين، يمكننا أن نحفّز لديهم الرغبة والدافع لتحقيق غاياتهم والغاية العليا للمؤسسات التي يعملون بها. ولضمان خدمة مجتمعنا بأفضل صورة ممكنة، يجب علينا أولاً أن نولي العناية والاهتمام الكافيين للأشخاص الذين يعملون بجدّ واجتهاد كل يوم لتحقيق ذلك. وتتضح أهمية هذا الأمر على وجه الخصوص في القطاع العام أكثر منه في القطاع الخاص، لأن جهودنا في القطاع العام تستهدف خدمة بلادنا وتحقيق المصلحة العامة للدولة ككل. ولتوفير هذه الخدمات بما يضمن نشر السعادة في ربوع بلادنا، علينا أن نركّز على دعم سعادة ورفاه الأفراد المكلّفين بتحقيق تلك الغاية وبهذه الطريقة، يمكننا تحقيق الأثر الأكبر والأسرع في بيئات العمل. تحظى بيئات العمل الإيجابية والسعيدة بكثير من المزايا التي تفتقر إليها بيئات العمل التقليدية. ولهذا، فإن المؤسسات التي تحرص على تهيئة بيئة عمل إيجابية وسعيدة ستجني في النهاية ثمار ذلك. وتنقسم هذه المزايا إلى مزايا ملموسة، مثل زيادة معدلات الحفاظ على الموظفين وتعزيز إنتاجية وجودة العمل. كما أن هذه المؤسسات تشهد انخفاضاً كبيراً في معدلات التغيّب عن العمل، والإجازات المرضيّة، والتأخر عن العمل. ووفقاً لدراسة أجرتها جامعة "وارويك" (Warwick)، فإن اتخاذ خطوات جادّة نحو تعزيز السعادة وجودة الحياة في بيئة العمل يؤدي إلى زيادة الإنتاجيّة بنسبة تصل إلى 12% ويمكننا أن نلاحظ أن سعادة الموظفين عادةً ما تنعكس انعكاساً مباشراً في جودة وحجم الخدمات التي تقدّمها المؤسسة للمتعاملين لديها. أما المزايا غير الملموسة فهي الأكثر صلةً بنقاشنا حول السعادة، وهي المزايا التي لا يمكن قياسها مباشرةً، ومع ذلك فإننا نشعر بأثرها ربما بصورة أكبر من أثر المقاييس الموضوعية مثل الإنتاجيّة. فالتركيز على السعادة وجودة الحياة يساهم في رفع الحالة المعنوية داخل المؤسسات، ويعزّز التفاعل في العمل، ويدعم بناء الثقة والولاء بين الموظفين وبعضهم البعض من ناحية وبينهم وبين المؤسسات التي يعملون بها من ناحية أخرى. عندما يشعر الأفراد بحصولهم على الاهتمام والدعم في بيئة العمل، فإنهم يقابلون هذا الدعم والاهتمام بإخلاص حقيقي في العمل ليس فقط فيما يتعلق بالمسؤوليات الموكّلة إليهم وإنما في المؤسسة ككل. وسوف يجني القادة ثمار هذه المعاملة عندما يبذل الموظفون قصارى جهدهم في العمل، وعندما يشعرون بالحافز الذي يجعلهم يتحلّون بفضيلة الإيثار في عملهم وفي حياتهم الشخصية، ويجعلهم يدافعون عن مؤسساتهم في جميع الأوقات. والأهمّ من ذلك أن الأشخاص السعداء يجذبون الآخرين نحوهم؛ فالناس يستمتعون بقضاء الوقت مع من يكونون مصدراً للتحفيز والتفاؤل والسلوك الإيجابي. والسعادة عدوى محمودة يمكن نشرها داخل أي مؤسسة وإحداث تغيير سريع وجذري في بيئة العمل. يقدّم الموظفون السعداء نموذجاً يحتذى به أمام زملائهم ويشجعون غيرهم على الاستمتاع بالعمل. علاوةً على ذلك، تؤثر سعادة الموظفين بشكل إيجابي على سعادة المتعاملين؛ حيث وجدت إحدى الدراسات التي أجريت في جامعة بنسلفانيا أن الابتسامات الصادقة التي يتبادلها الموظفون في بيئات العمل تترك انطباعاً إيجابياً لدى المتعاملين. فالموظّفون المبتسمون يكونون أكثر قبولاً لدى المتعاملين الذين يشعرون بمزيد من الرضا عن الخدمة التي حصلوا عليها بشكل عام. يوجد العديد من العوامل التي تساهم في تعزيز السعادة وجودة الحياة في بيئة العمل و منها : • التأكيد على أن تكون لدى المؤسسة رؤية واضحة ومجموعة من القيم يلتزم بها الموظفون، بحيث يمكن المواءمة بين تطلعات الموظفين وتطلعات المؤسسة. • الاعتناء بالصحة البدنية والنفسية والذهنية ونشر ثقافة تمكّن الموظفين من تحقيق التطور الفكري والبدني والنفسي. • توطيد العلاقات من خلال التشجيع على نشر روح الفريق الواحد وبناء الثقة والولاء بين الأفراد والمؤسسات حتى يتمكّن الأفراد من الخروج من النطاق النمطي الذي اعتادوا الشعور فيه بالراحة والأمان، ومن ثمّ توطيد علاقاتهم بالآخرين، وتقبّل ثقافة التنوع. • تمكين الموظفين ومساعدتهم على تحقيق التطور المهني، وصقل مهاراتهم، ونشر ثقافة التطور والنمو، وتقدير إنجازاتهم في العمل. إن تحقيق السعادة وجودة الحياة غاية عليا ينبغي أن نسعى جميعاً إلى تحقيقها على المستوى الفردي والمؤسسي والتي تنعكس إيجابيا على المستوى الوطني. المرجع: البرنامج الوطني للسعادة والايجابية ٢٠١٨م، دولة الامارات العربية المتحدة

اكتب تعليق

لاضافة تعليقك .. يجب التسجيل او الدخول الي حسابك

0 تعليق

لا يوجد تعليقات